رحلة شهر عبر مصر: السفر بحثاً عن القصص


كثيراً ما يسألني الناس من أين أستلهم أفكار كتبي.
الجواب بسيط: أنا أسافر.
ليس كسائح، بل ككاتب.
على مدار شهر تقريباً، تجولت في مصر من مكان إلى آخر، متتبعاً الطرق القديمة، والقصص المنسية، ومحادثات مع أناس ترتبط حياتهم ارتباطاً وثيقاً بهذا البلد الاستثنائي. أصبح كل مكان فصلاً جديداً في دفتر يومياتي.
بدأت رحلتنا في القاهرة، المدينة التي لا تنام أبداً. وبين الشوارع التاريخية والمقاهي الخفية والمكتبات ولقاءات مع الناشرين والقراء، تذكرت أن لكل زاوية قصة تنتظر أن تُروى.
ومن هناك، انطلقنا غرباً بالسيارة إلى الصحراء الممتدة بلا نهاية باتجاه واحة سيوة.
سيوة مكانٌ فريدٌ من نوعه، لم أرَ مثله من قبل. آثارٌ قديمة، وبحيراتٌ مالحة، وبساتين نخيل، وصمتٌ مطبق، وليالٍ مرصعة بالنجوم، كلها تخلق جواً يبدو وكأنه خارج الزمن. وبينما كنت أتجول في القرى المهجورة وأستمع إلى الأساطير المحلية، أدركتُ سرّ بقاء الأساطير لآلاف السنين. أماكن كهذه لا تُلهم الخيال فحسب، بل تحافظ عليه.
بعد مغادرة الواحة، وصلنا إلى مرسى مطروح، حيث كشف البحر الأبيض المتوسط عن وجه آخر لمصر. مياهه الفيروزية الصافية، وشواطئه البيضاء، وأمسياته الهادئة، ذكّرتني بمدى تنوّع هذا البلد. مصر أكثر بكثير من مجرد أهرامات وصحاري.
واصلنا سيرنا على طول الساحل، مروراً بالساحل الشمالي. تنتشر المنتجعات الفاخرة على امتداد شواطئ البحر البكر، لتخلق تبايناً ساحراً بين مصر الحديثة والطبيعة. وبينما كنت أشاهد غروب الشمس فوق البحر الأبيض المتوسط، وجدت نفسي أكتب صفحات لا تمت بصلة إلى خططي الأصلية. أحياناً، تأتي أفضل الأفكار عندما نتوقف عن البحث عنها.
كانت وجهتنا التالية هي الإسكندرية.
تحمل المدينة ثقل التاريخ بأناقةٍ آسرة. أثناء تجولي على طول الكورنيش، واستكشافي للأحياء القديمة، وتخيّلي لمكتبة الإسكندرية العريقة، تذكرت أن القصص لا تختفي حقًا، بل تنتظر من يعيد اكتشافها.
وفي النهاية، عدنا إلى القاهرة، حيث اكتملت رحلتنا. وبالنظر إلى الوراء على آلاف الكيلومترات التي قطعناها، أدركت أن هذه لم تكن مجرد عطلة.
كان ذلك بحثاً.
كل محادثة، كل سوق، كل طريق صحراوي، كل متحف، كل أثر منسي، كل فنجان شاي تقاسمته مع غرباء، أصبح جزءًا من مجموعة ذكريات أوسع بكثير. بعضها سيظهر في رواياتي المستقبلية كما عشتها تمامًا. والبعض الآخر سيتحول إلى أماكن خيالية، وشخصيات غامضة، وقصص تمزج بين التاريخ والخيال.
بصفتي كاتبة، أؤمن أن الأصالة لا تُصنع من وراء المكتب. عليكِ أن تتجولي في الشوارع، وتستشعري نسيم الصحراء، وتستمعي إلى أصوات السكان المحليين، وتشمّي عبق التوابل في الأسواق، وتراقبي كيف يتغير الضوء على الأحجار القديمة.
عندها فقط تصبح الأماكن أكثر من مجرد مواقع.
تتحول إلى قصص.
لقد ملأت هذه الرحلة عشرات الدفاتر، ومئات الصور، وعددًا لا يُحصى من الأفكار. قد يظهر بعضها في رواية داركمور القادمة، بينما قد يستغرق البعض الآخر سنوات قبل أن يجد مكانه على الورق.
لكن كل مغامرة تبدأ بخطوة واحدة، وأحياناً بشهر يُقضى في اكتشاف روح مصر.
ساندرا نيبور (إس بي داركمور)




تعليقات